الخبر الآن المغربية
عن الكتابة والجسد والألم والموت: حوار بين ‘‘المصطفى سكَم’’ والباحث ‘‘عزيز قنجاع’’ Reviewed by Momizat on . الخبر الآن منذ فلسفة الوعي الديكارتية، سعت العقلانية إلى قهر الموت بازدرائها للجسد وإمكانية التحكم فيه طبيا، حتى وإن اعتذر عن ذلك ديكارت في رسالته إلى ‘‘شانو’’ الخبر الآن منذ فلسفة الوعي الديكارتية، سعت العقلانية إلى قهر الموت بازدرائها للجسد وإمكانية التحكم فيه طبيا، حتى وإن اعتذر عن ذلك ديكارت في رسالته إلى ‘‘شانو’’ Rating: 0
انت هنا : الرئيسية » حوارات » عن الكتابة والجسد والألم والموت: حوار بين ‘‘المصطفى سكَم’’ والباحث ‘‘عزيز قنجاع’’

عن الكتابة والجسد والألم والموت: حوار بين ‘‘المصطفى سكَم’’ والباحث ‘‘عزيز قنجاع’’

عن الكتابة والجسد والألم والموت: حوار بين ‘‘المصطفى سكَم’’ والباحث ‘‘عزيز قنجاع’’

الخبر الآن

sagam

منذ فلسفة الوعي الديكارتية، سعت العقلانية إلى قهر الموت بازدرائها للجسد وإمكانية التحكم فيه طبيا، حتى وإن اعتذر عن ذلك ديكارت في رسالته إلى ‘‘شانو’’ بتاريخ 15 يونيه 1646 حين أوصى بالتوقف عن البحث عن طرق إدامة الحياة والتوجه إلى التفكير في كيفية عدم الخوف من الموت خاصة وأن الموتى هم رُحل إلى حياة أخرى تشهد فيها الروح أنواعا من الفرح والغبطة وكأن كتاب ‘‘انفعالات النفس’’ تبشير بالوعي بما ينتظر الروح بعد الجسد المتحلل الميت وإذا كانت فلسفة الوعي بالذات إثبات لذاتية الإنسان باعتبارها مركز الكون تحتم التفكير في الوجود الإنساني كوجود حر تقتضي القضاء على الخوف والتأمل في الحياة لا الموت والسعي وراء الحكمة والعقل الخالد وحب الله على حد قول اسبينوزا؛ فكرة الخلود التي اتخذت منحى أخلاقيا مع كانط بالخروج من الزمن وولوج الأزل وليتحول الموت إلى الحب ذاته مع هيجل. وعليه باعتبارك رجل مسرح وباحثا في فلسفة التاريخ ماذا يعني لك وعي ذات المفكر بموتها؟ وكيف تطورت فلسفيا وثقافيا؟

kanjaa

فيما يخص الوعي بالذات ككائن ميت، فأنت تدرك باعتبارك أستاذ الفلسفة أن من اشتغل بشكل عميق على هذا الموضوع هو الفيلسوف هايدغر…. ففي خضم نقده للميتافيزيقا الكانطية توصل هايدغر إلى مفهوم “الدزاين” وهو المفهوم الذي ناقش الموت كتجربة فردية غاية في الخصوصية بفعل كونها التجربة التي لا يتشارك فيها أحد مع آخر، تجربة خاصة جدا والقلق حيالها أي حيال هذه التجربة يرمينا في متاهات السؤال حول العدم، وهذا السؤال وإن كان يرمينا مباشرة في السؤال الفلسفي ويشكل مداخل خصبة للإبداع الشعري والروائي والمسرحي، إلا أنه يبقى كذلك مصدر تجربة القلق لذى الإنسان، والتي اعتبرها هايدغر ومعه هوسرل أيضا إلى حد ما المدخل الأساسي للتعرف على حقيقة الذات، وأنت ترى معي الدورة الدودية للفلسفة الغربية من الشك كمدخل لمعرفة الذات إلى القلق هنا، ولن أحيلك هنا على الأسباب التاريخية التي كانت سببا في هكذا انتقال والكامنة في صلب الحياة الراهنة في العالم الغربي، لقد كانت الوجودية كفلسفة سباقة إلى صياغة طروحاتها الأساسية حول تجربة الموت لكنها أضغمته ضمن أطر التناول النفسي باعتبارها فلسفة فردانية لها ارتباطات أكيدة بالفلسفة الرواقية حيث لفت تجربتنا مع الموت في تخريجة النسيان أو التناسي أو اللا اكتراث أو التغاضي، على اعتبار أن حياتنا الإنسانية ليست بهذه الأهمية بل هناك عدمية بارزة في أعمال سارتر تدفعنا لاستخلاص عدم جدوى حياتنا بأكملها وهو ملخص كتاب الوجود والعدم عموما. لكني لا أجد في عملية النسيان سوى تخريجة وأستسمح استعمالي لهذا المصطلح لكنه ليس حكمي الخاص فهذا ما استعمله كامو في نقده للوجودية. فهي تعطي أهمية للوجود باعتباره إلى حد ما زائف، وأنت ترى التأثيرات المتداخلة لفلسفة القرن العشرين في رؤيتها للعالم فهذا الموقف سيحيلك مباشرة إلى فرويد ولاكان ومجمل علم النفس التحليلي وإلى المدرسة العليا للأساتذة بباريس وكل مثقفيها، فهذا الزيف منظورا من خلاله إلى الوجود هو الذي سعى الإنسان إلى الانشغال عنه والتلهي عنه وطرحه من فكره نسيانه، إلا ترى معي السي مصطفى أننا هنا في قلب لعبة فرويد وماركس ونيتشه كما وضحها ميشال فوكو في محاضراته، فالواقع لدى الثلاثة خداع ومخادع والواقع ليس هو الظاهر، والحقيقة مخفية إما في اللاوعي أو البنية التحتية أو الجينيالوجيا، والذي نعيشه كذب وانعكاسات مقلوبة وخادعة عن الوجود. وإذا كان الثلاثة قد ذهبوا في توجهاتهم للكشف عن حقيقة الكائن إلا أن الإقرار بزيف الوجود أدى إلى عدمية مفرطة في النظرة إليه فأعطانا أدبا ملخصه الإنسان ولكن قابعا بين وجوده وعبئ وجوده مثل المخلوق المسيحي الذي يعيش ذنب وجوده من حاصل علاقة جنسية كان من الأحرى لأصوله أن يكونا أكثر ورعا والتغاضي عنها.
لقد بقي السؤال عن الموت يحف الكتابات الغبداعية دائما بحضور سخي مجملا إشكالية الوجود، لكن لا يمكن مساءلة الموت دون أن تحضر الميتافيزيقا والتي ضمنها يصاغ الموت كأشكال بين العدم أو الهباء وبين الاستمرار ضمن وجود ترانسندنتالي أي متعالي مفارق.
تبقى تجارب أخرى لم تكتمل خلال القرن العشرين ولم يعاد النظر فيها حتى، بل لم أجد مبررا لاقبارها هكذا ودون سابق إنذار وأخص بالذكر تجربة اللسانيين الروس والاحالة هنا لميخائيل باختين أو فولوشينوف في البحث عن الدليل، المقصود هنا كتاب “الماركسية وفلسفة اللغة” والذي حاول مقاربة إشكالية الوجود برمته من خلال “الكلمة” باعتبارها لحمة العلاقات المجتمعية بجميع مجالاتها وباعتبارها المؤشر الأكثر ملموسية لكل التحولات المجتمعية، لقد كانت هذه المحاولات جريئة في إعادة ضبط علاقتنا بالوجود برمته مع تجاوز إشكالية الزيف الذي يطبع وجودنا كما أشرت لدى فرويد وماركس ونيتشه. فلدى اللسانيين الروس الكل يوجد على السطح ومعبر عنه في المادة اللفظية أساسا وكأني بهم أرادوا توحيد المستويات البنيوية ليستوي للوجود معنى عوض العدمية وللأدرية البغيضة التي اجتاحت العالم.

sagam

أكيد أن الحقيقة فظيعة وأن الحياة معها أمر مستحيل وأن الفن على حد قول نيتشه هو مجال الحياة وامتلائها حتى وإن شكل الموت خلاصا من جحيم وجود ما، يدفع بالإنسان إلى أن يجعل من موته عيدا أو أن يكون الإنسان الأرقى القاهر للفناء من خلال العود الأبدي وأن فكرة الموت فرويديا ينبغي مقاربتها لاشعوريا في علاقتها بغريزة الحياة إلا أن الإشكال كما صاغه هايدغر لا يتعلق بالإنسان في كليته وإنما كوجود فردي متعين يعي ذاته كوجود يومي في العالم وكوجود مع…الآخرين حيث يصير الجميع أدواتا تحيى وجودا زائفا وسقوطا مريعا واغترابا وجوديا تحيى قلق العدم وهو يلقي به إلى الموت الذي يحمله أنطلوجيا ووحده الوعي المنفتح يمكن الإنسان من حريته في أن يصنع كينونته ويحيى التطابق مع الذات في انتظاره، انتظار يرفضه سارتر على اعتبار أن الإنسان ليس وجودا في ذاته وإنما هو وجود من أجل ذاته فلا مكان للموت في هذا الأخير لأن ذلك يتناقض وحقيقة الإنسان كمشروع يحقق ذاته من خلال الإمكانيات، إنه شيء عرضي خارجي. الأهم أن إشكالية الموت حتمت التفكير فلسفيا بل وأدبيا نعثر عليها في ملحمة جلجامش والأساطير اليونانية ومسرحيات ألبير كامو وسارتر… فكيف وأنت مبدع مسرحي تنظر إلى العلاقة بين الموت والإبداع؟

kanjaa

ما ترى فالموت عنصر قائم في المعنى والوجود واذا كنت قد انطلقت – في جواب السابق- من هايدغر الذي حاول مقاربة العدم في ذاته لكنه للأسف يخلص للقلق كمعطى يؤدي بالإنسان لمعرفة انه موجود من اجل الموت فقد حاولت ان ابين في هذه العجالة ان فلسفة القرن العشرين كلها اغفلت الحياة الحقيقية لصالح حياة غير مرئية، أصرت انها حقيقية لكنها غير مرئية ومن هنا يمكن الرؤية بروح نقدية للفلسفة الماركسية وليس من ارتباطاتها بالمسيحية كما فعل ادوارد سعيد.
اعود للقول ان علاقة الابداع بالموت لا يجب ان نختزلها في الموت كتحقق عيني لكن العلاقة بينهما ارتبطت احتداميا واختارت ان تحسم في مجال اخر هو مجال الزمن ان الزمن الابداعي الروائي او المسرحي او الشعري يحقق نوعين من العلاقة بالزمن فهناك الوضع التعاقبي الذي تنمو فيه الاحداث وتنتهي حيث يطوي السابق اللاحق في ادوار انتهت وتلاشت وليس ضروري ان يكون الموت حاضرا لكن النهايات حاضرة ، وهناك نوع من الكتابة اختارت وهي بالمناسبة قديمة لا تنضبط للتاريخ ولا يسيجها الشكل هذا النوع من الاعمال هي ما نقول عنها الاعمال التي لا تموت كالالياذة والاوديسا في الشعر ومسرح شكسبير والعمل الروائي الخالد دون كيخوطي دي لا مانشا فرغم ان هذه الاعمال لا تطال الا في التاريخ وفي الشكل الا انها مشدودة الى تجربة لا تنفصل عن انا متغيرة وعابرة وحياة حاضرة في تعرج متحذر، اعمال تسعى الى ادراك ما يقبع في اساس التاريخ والشكل في الان الذي تنكر عليهما احتواء ما لا يتحقق الا بواسطتهما وعبرهما من هنا امتياز هذا الفاصل الدقيق الذي ندعوه بدءا والتي نجدها في الاعمال المؤسسة التي ذكرناها ولكن ننسى اننا نجدها في روح الملحمة والحكاية الاسطورية سواء اليونانية او الشرقية او شعوب اخرى انها اعمال تجهر انصرافها الى الاحاطة بما يتعالى على الاحاطة وبما تندرج بدورها في بابه اي انها تجهر التباس ما تدور عليه انها اعمال تقبع بين الزمن واللا زمن بين العدم والوجود بين البداية والهباء النهائي واللانهائي الالاهي والشيطاني السمائي والارضي المدنس والمقدس.

sagam

من المؤكد أن تيمة الجسد مغرية بالتأمل والنقاش نظرا للعلاقة الملتبسة بين الجسد وتأملات الفلاسفة وأيضا لتمثلات الإنسان إزاء جسده وما يهمني هنا هو الجسد المتالم ، الجسد الممدد الذي يقدم للعلاج كمعطى أفقي امام المعالج الواقف أو الجالس (العمودي)، هذه الأفقية التي تحيل على الاستسلام، الإستغاثة وكجسد ينفضح سره بالكشف ، كجسد محمول مُتمثل من طرف ذات مريض مرعوب يخشى على وحدة الجسد المهدد بالتمزق فيصبح الجسد مستلبا إزاء ذاته كما هو أمر جسد مصاب بالسرطان أو السيدا ، جسد ينتظر الأسوأ وفي انتظاره يكمن الألم المزدوج الألم العضوي و المعاناة النفسية ، الا يمكن القول أن الألم صلتنا بالموت وأن الكتابة عنهما من الخارج يعكس تمثلنا للجسد في عريه أو حجابه مجرد إسقاطات لاشعورية أو كتابات تطهيرية أو نأيا بالجسد في أن يحيى ألمه الممكن؛ أية علاقة ممكنة بين الإبداع والجسد والألم؟

kanjaa

وبعيدا عن الاسطورة والرواية والشعر وفي صدد كلامك عن الجسد والالم كنت اود ان اراجع هنا معك بعضا من اشعار بودلير في ديوانه زهور الشر لكن الشر بالفرنسية قد يحتمل معنى الالم كذلك ” le mal” لكن احبذ ان اقتحم معك و احبذ هنا ان اتكلم في ميدان الفن التشكيلي وساخص بالملاحظات احد اهم بل ابرز الفنانين المعاصرين لانني اجد في اعماله واقصد هنا الفنان عبد اللطيف الوديي بلعزيز وابطال لوحاته التشكيلية اجد في اعماله ميزة استعصاء الوجود في مطابقته من خلال الجسد ، تعرف ان عبد اللطيف جعل من الجسد الانساني موضوع اعماله لكن ليس مطلق الجسد بل اختار عبد اللطيف الجسد في المنطقة الحاصلة بينه وبين الرغبة في تحقيقه وتحقيق معنى وجوده، الجسد كممر اساسي للاحساس ، او الجسد تلك المادة التي نمتلكها بشكل بادخ ونستهلكها في تحقيق الرغية او المطابقة ، الجسد قنطرة بينه كشيء حسي والرغبة كاحساس هلامي ، شخصيات اعماله قابعة في استهلاك الجسد بشكل رهيب بل مخيف حتى الوانه المستعملة شفافة الى حد يغدو معها الجسد مستنزفا مرهقا ، اعماله اجساد في التهاء مطلق عن الحياة في الوقت الذي تبحث جميعها عن مطلق الرغبة، بين الرغبة المطلقة في تحقيق الحياة عبر الجسد وبين التغاضي المطلق عن الحياة في الانشغال عنها بتحقيق الرغبة تجد الاعمال التشكيلية لعبد اللطيف بلعزيز تجرك جرا الى ازدواج زاوية النظر وتفرض لوحاته عليك استحالة استوائها مطابقة لوضع شخصيات لوحاته، انها اعمال تقف في مناطق الظل المتناقض في العتمة الموغلة بين الجسد والشعور، وبين الالم واعتصار الجسد وطموح المطابقة ، شخصيات تراجيدية ترثي غيابها لكنك تغبطها او تلعنها انها تتسمر في المنطقة الفارهة او في فوهة الجسد الغريزي الحقيقي الجسد الفاغر الذي يرتق جرحا ابديا هلاميا من هنا اهمية اعماله بل سحريتها لقد كان عبد اللطيف بلعزيز الفنان الذي ساءل الكيميائيات التي نولدها باستهلاكنا للجسد فنولد الشعور بالالم او باللذة او بالرغبة او بالحلم وعبد اللطيف بلعزيز ولوحاته رتَّقت الجسد في كيميائياته المتحوله المتعددة فكانت لوحاته صادمة.

sagam

ولأنك كنت تود ان تعرج على شعر بودلير وأزهار الشر القائل عن نفسه ” ” أنا إنسان مريض شنيع الطباع ، والذنب هنا هو ذنب أبواي … من جراهما يسري البلى في نسجي وتنحل عراي ، وترث قواي ، ذلك مَن يُولد من أم في السابعة والعشرين وأب طاعن في الثانية والستين ،فتأمل يا صاح خمسة وثلاثون عاماً بين الأثنين ، تقول انك تدرس علم البنية والطبائع ، الا فسل نفسك عما ترى في الثمرة الناتجة عن قران كهذا القران ؟ !” فعلا شعره يستحق لقاء خاصا في علاقة الشعر بالألم وفي كل أبعاده..في ختام هذا الحوار أشكرك وأهديك من شعره :
” في أرض شحمة مليئة بالقواقع
أبغى أن أحفر بنفسي لحداً عميقاً
حيث يمكنني عندما أشاء
أن أضع عظامي الهرمة
وأنام في النسيان كالقرش في الموج
أكره الوصايا ….أكره القبور
بدلاً من استجداء دمعة من هذا العالم
وأنا حي ..أُفضل أن أدعو الغربان
لتدمي كل أطراف هيكلي النجس
أيتها الديدان يا رفاقاً سود بلا أذن ٌ ولا عيون
أنظرن شاهدن يُقدم إليكم ميت حر سعيد
أيتها الفيلسوفات الماجنات ، يا بنات العفونة
عبر خرابي توغلن بلا تأنيب ضمير
وقلن لي أهناك عذاب آخر ينتظر هذا الجسد الهرم
فاقد الروح ، ميت بين موتى .”

اكتب تعليق

الخبر الآن المغربية آخر الأخبار الوطنية والدولية © 2016 جميع الحقوق محفوظة للخبر الآن alkhabar alaan

الصعود لأعلى